تأتي الزيارة الرسمية المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، المقرر أن تبدأ في 30 أغسطس وتستمر حتى 3 سبتمبر 2026، بالتزامن مع انعقاد قمة منظمة شنجهاي للتعاون، في وقت تسعى فيه بكين إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي.
وتتناول الزيارة ملفات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية، كما تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين. وترى الدكتورة نادية حلمي، أستاذة العلوم السياسية والباحثة المتخصصة في السياسة الصينية وشؤون الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، أن زيارة شي إلى القاهرة ولقاءه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي تحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، وتمثل محطة مهمة في مساعي بكين لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط والجنوب العالمي.
وبحسب مقال الدكتورة نادية حلمي المنشور في مودرن دبلوماسي، تستهدف الزيارة تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين، وتوسيع الحضور الاقتصادي والسياسي الصيني في الشرق الأوسط وسط تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، فضلًا عن دعم الدور الصيني في دول الجنوب العالمي. كما تفتح الزيارة ملفات التعاون في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتبحث سبل تعميق الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
لماذا تزور الصين مصر في هذا التوقيت؟
تكتسب زيارة شي جين بينج إلى القاهرة أهمية خاصة باعتبارها أول زيارة لرئيس صيني إلى العاصمة المصرية منذ نحو عقد، وتتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وتحمل الزيارة أهدافًا سياسية ودولية تتصل بالتنسيق الصيني المصري بشأن قضايا الشرق الأوسط، ولا سيما أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية في ظل التوتر المرتبط بالصراع بين إيران والولايات المتحدة وانعكاساته على أمن الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية.
وتسعى بكين كذلك إلى تعزيز توازنها الاستراتيجي وإعادة تأكيد حضورها الدبلوماسي بوصفها قوة دولية تدعم الحلول الدبلوماسية وتتعاون مع الدول المحورية، وفي مقدمتها مصر، من أجل تحقيق الاستقرار. ويأتي ذلك عقب مشاركة الرئيس الصيني في قمة منظمة شنجهاي للتعاون.
ولا تقتصر الزيارة على الملفات السياسية، إذ تحمل أبعادًا اقتصادية وتجارية واسعة، في مقدمتها توسيع الشراكة الاقتصادية والاستفادة من النمو الملحوظ في حجم التجارة بين البلدين. كما تعتزم الصين دعم مشروعات البنية التحتية والطاقة في مصر عبر زيادة الاستثمارات الصينية، بما يشمل قطاعات الطاقة المتجددة ومصانع إنتاج توربينات الرياح، وصفقات النقل والقطارات الكهربائية، إلى جانب تمديد اتفاقات مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري ونظيره الصيني.
ويحتل ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي موقعًا بارزًا في العلاقات الصينية المصرية، خصوصًا مع العروض التكنولوجية الصينية الكبرى، وفي مقدمتها عرض شركة هواوي الصينية إنشاء مراكز للبيانات والذكاء الاصطناعي في مصر. وتثير هذه الخطوة مخاوف لدى دوائر استخباراتية وعسكرية وسياسية واستراتيجية في واشنطن، التي تسعى إلى تقديم بدائل للقاهرة من شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، مثل مايكروسوفت وإنفيديا وAMD.
ولا تنحصر الرسائل السياسية للزيارة في الإطار الثنائي، إذ تسعى بكين من خلالها إلى الدفع نحو إعادة تشكيل النظام الدولي وبناء عالم متعدد الأقطاب يبدأ من دول الجنوب العالمي. كما تحاول الصين تعزيز دورها القيادي في هذه الدول والحصول على دعم عربي وأفريقي يرسخ مكانتها كقوة كبرى قادرة على تقديم بديل للمنافسة والنفوذ الغربي والأمريكي.
ويتزامن ذلك مع إطلاق النسخة الثانية من المناورات الجوية المصرية الصينية المشتركة واسعة النطاق «نسور الحضارة» في أغسطس 2026، داخل قواعد جوية مصرية، بمشاركة مقاتلات متطورة من الجانبين، بعدما أجريت النسخة الأولى في مايو 2025. وتحمل هذه المناورات رسائل سياسية واستراتيجية إلى واشنطن وتل أبيب بشأن تنامي الشراكة العسكرية بين مصر والصين، وتنويع مصادر السلاح، واستقلالية القرارين العسكري والسياسي المصريين في تنويع الشراكات.
كما تعكس زيارة شي دعم بكين للدور الإقليمي المصري في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتؤكد أهمية القاهرة بوصفها حلقة رئيسية تربط العالم العربي بالقارة الأفريقية. ويكشف اختيار مصر نقطة انطلاق عن إدراك صيني لأهميتها الجيوسياسية وقدرتها على التعامل مع التداعيات الإقليمية المتصاعدة.
وتبدي الصين استعدادًا للتعاون مع شركائها العرب والأفارقة لاحتواء الأزمات الاقتصادية الناتجة عن الصراعات في الشرق الأوسط. ويتزامن ذلك مع توجه بكين إلى توسيع تحالفاتها عبر تعزيز التكامل بين مشروعاتها التنموية والتكتلات الاقتصادية الكبرى، مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنجهاي للتعاون وبنك التنمية الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
وتستهدف الزيارة كذلك تنسيق المواقف بشأن خفض التصعيد والحفاظ على السلام والأمن في الشرق الأوسط، إلى جانب بحث الصراعات الإقليمية، ولا سيما في أعقاب حرب غزة والحرب المرتبطة بإيران.
الاستثمارات الصينية والتكنولوجيا.. ملفات اقتصادية تتصدر الشراكة
تتجه العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين بصورة متزايدة نحو إبرام اتفاقات جديدة واتخاذ خطوات تعزز الاستثمارات المشتركة والاستقرار المالي. ويأتي دعم الشراكة المالية وتنويع العملات في مقدمة الملفات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
وتبحث القاهرة وبكين تجديد وتعزيز اتفاقات مبادلة العملات المحلية بين البنك المركزي المصري والبنك المركزي الصيني، بما يسهل حركة التجارة ويدعم الاستقرار النقدي بعيدًا عن الاعتماد على العملات الدولية.
ومن المتوقع أن تحظى مبادلات العملات والتعاون الاقتصادي بأولوية خلال الزيارة، بالتوازي مع متابعة الزيادة في حجم التجارة وتمديد اتفاق مبادلة العملات لتعزيز الشراكة الاقتصادية في إطار مجموعة بريكس.
وتتشارك مصر والصين كذلك رغبة في توطين الصناعة والتكنولوجيا داخل القاهرة عبر جذب استثمارات صينية كبيرة إلى قطاعات تصنيع السيارات الكهربائية والطاقة الجديدة والمتجددة والصناعات التكنولوجية المتقدمة.
ومع توسع المشروعات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تعمل بكين على زيادة مشروعاتها الصناعية واللوجستية داخل محور القناة، بما يسهم في إنشاء قاعدة إنتاج ذات قيمة مضافة.
كما تدعم الصين جهود مصر لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية الزراعية عبر إعداد تحالفات مصرية صينية تستهدف تنفيذ مشروعات واسعة لاستصلاح الأراضي الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي. ويتزامن ذلك مع دعم صيني لمشروعات البنية التحتية والمدن الذكية في مصر، من خلال التعاون في مشروعات التنمية العمرانية وإنشاء المدن الذكية الحديثة.
وتعزز الصين في الوقت نفسه الدور المصري بوصفه محورًا رئيسيًا لمشروعاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط وأفريقيا، اعتمادًا على مشروعات واستثمارات مبادرة الحزام والطريق. وتنظر بكين إلى مصر باعتبارها بوابة استراتيجية وممرًا حيويًا لطريق الحرير البحري والبري، بالنظر إلى المكانة العالمية لقناة السويس باعتبارها أحد أهم شرايين التجارة الدولية.
ومع تنويع الشراكات والاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتركز مشروعات صناعية كبرى لشركات صينية هناك، ومن بينها منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية «تيدا»، تسعى بكين إلى الوصول إلى الأسواق الأفريقية عبر مصر.
وتستخدم الشركات الصينية الأراضي والموانئ المصرية قاعدة مشتركة للتصنيع ومنصة لتصدير المنتجات والخدمات إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط. كما تسعى الصين إلى تحقيق تكامل تنموي وأمني مع مصر، بما ينسجم مع خططها التنموية الخمسية ورؤية مصر 2030.
وتبرز المناورات الجوية المشتركة بين القوات الجوية المصرية والصينية، ومنها مناورات «نسور الحضارة»، بوصفها إحدى صور هذا التعاون المتنامي، إذ أجريت النسخة الأولى منها في مايو 2025، بينما أجريت النسخة الثانية في أغسطس 2026.
ولا يقتصر الطموح الصيني على المجال الاقتصادي، إذ تسعى بكين إلى نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي والابتكار عبر مصر إلى القارة الأفريقية والشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي. وتستضيف مصر بالفعل عددًا من الشركات الصينية العاملة في قطاعات مختلفة، خصوصًا التكنولوجيا، ومنها هواوي وشاومي وأوبو وZTE وميديا وهاير.
كما أُنشئ صندوق استثماري بقيمة 300 مليون دولار بالتعاون مع جامعة تسينغهوا الصينية، ويركز على الذكاء الاصطناعي وتصميم أشباه الموصلات.
الصين وأمريكا في الشرق الأوسط.. مصر بوابة النفوذ الاستراتيجي
تؤثر الشراكة المصرية الصينية بصورة ملحوظة في مستوى النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، من خلال تنويع الصين لتحالفاتها الاقتصادية والسياسية في المنطقة. لكن هذا التعاون لا يلغي التحالفات الاستراتيجية التي تربط الولايات المتحدة بعدد من دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج.
وتقوم الشراكة بين مصر والصين بدرجة كبيرة على البعدين الاقتصادي والمالي، في ظل الاستثمارات الصينية الكبرى في مصر، إذ تضخ الصين مليارات الدولارات في مشروعات البنية التحتية ومنطقة قناة السويس. كما تدعم بكين مساعي مصر للانضمام إلى مجموعة بريكس، التي تقودها الصين وروسيا، بهدف تقليص الاعتماد على الدولار والنظام المالي الغربي والأمريكي.
وتحرص الصين كذلك على دمج مشروعات مبادرة الحزام والطريق بصورة وثيقة مع الاقتصاد المصري. وفي المقابل، تستند الشراكة المصرية الصينية إلى بعد دبلوماسي واستراتيجي يقوم على تنويع التحالفات. و
تنتهج مصر سياسة خارجية متوازنة لا تحصر علاقاتها في حليف واحد، وهو ما يمنح الشراكة مع الصين القاهرة حرية أكبر في الحركة وهامشًا أوسع للمناورة بعيدًا عن الشروط والضغوط السياسية الأمريكية، ولا سيما في مجالات التسليح والصفقات العسكرية.
ويخلق ذلك توازنًا دقيقًا بالنسبة إلى القاهرة، التي ترفض الاصطفاف الكامل مع قوة ضد أخرى، وتحافظ في الوقت نفسه على شراكتها الأمنية مع واشنطن وعلاقاتها المتنامية مع بكين.
ولا تنظر بكين إلى مصر باعتبارها شريكًا اقتصاديًا فحسب، بل تراها بوابة استراتيجية وركيزة محورية لنفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط وأفريقيا ومنافسة النفوذ الأمريكي. وينطلق هذا التوجه من رغبة الصين في ملء الفراغات السياسية والعسكرية الناتجة عن تراجع الحضور الغربي والأمريكي أو تذبذبه في المنطقة.
وتستفيد الصين من الثقل التاريخي والسياسي للقاهرة باعتبارها منصة لتوسيع نفوذها الدبلوماسي وبناء شراكات مع دول أخرى في أفريقيا والعالم العربي. كما منح دعم بكين لانضمام مصر إلى مجموعة بريكس الصين حليفًا إقليميًا قويًا يعزز رؤيتها لإعادة تشكيل النظام المالي العالمي على أساس تعدد الأقطاب في مواجهة الهيمنة الأحادية الأمريكية.
وتزداد أهمية هذا الدور بالنظر إلى موقع مصر بوصفها نقطة تقاطع برية وبحرية محورية لمبادرة الحزام والطريق الصينية عبر طريق الحرير البحري، في ضوء الأهمية الاستراتيجية والحيوية لقناة السويس.
وتنظر بكين أيضًا باهتمام متزايد إلى البعد الأمني والعسكري في علاقتها بالقاهرة، بهدف حماية استثماراتها وطرق الملاحة الدولية. ولا تقتصر الطموحات الصينية على بيع السلع والمعدات، بل تمتد إلى السعي للاضطلاع بدور أكبر في حماية مصالحها ومواطنيها عبر تعزيز التعاون العسكري مع القاهرة وتنويع الشراكات الدفاعية مع دول الشرق الأوسط وأفريقيا والجنوب العالمي من خلال مصر.
وترى بكين في تنامي التعاون العسكري ومبيعات الأسلحة لمصر والمنطقة فرصة لتقويض النفوذ العسكري الغربي والأمريكي وبناء علاقات أوثق مع الجيش المصري، الذي يعد من أكبر الجيوش في القارة الأفريقية.
ومن هنا، يبرز الهدف الأوسع للصين في تحويل مصر إلى مركز سياسي وعسكري يضمن مصالح بكين الحيوية في الشرق الأوسط وأفريقيا والجنوب العالمي.
وتأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، في هذا السياق، في وقت تسعى فيه بكين إلى تعزيز انخراطها في الشرق الأوسط وتوسيع علاقاتها مع الدول النامية ودول الجنوب العالمي، بالتزامن مع تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي.
وتحمل زيارة شي إلى القاهرة أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، في ظل التداعيات المستمرة لاحتمال اندلاع حرب أمريكية مع إيران والاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية. وتسعى الصين، لذلك، إلى توظيف الدور المحوري لمصر في تحقيق الاستقرار الإقليمي واحتواء الأزمات وحماية مصالحها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
https://moderndiplomacy.eu/2026/08/29/xi-jinping-egypt-visit-china-middle-east-influence/

